دولة ال سعود وجمال خاشجقي … انحسار الثورة المضادة

ذ.كاسة البشير
دولة ال سعود بحمولتها الدينية والسياسية وبترولها ووارداتها المالية الكبيرة واحتياطاتها الهائلة من البترول والغاز والعملة الصعبة وتحالفاتها التاريخية والاستراتيجية مع القوى المهيمنة عالميا تضعف وتتفتة وتبعثر علاقاتها الاقتصادية والسياسية باهراق دم صحافي مرموق ومعارض خلوق يحب بلد الحرمين الشريفين ويحلم بان يعود الى بيته امنا بعدما قال ان محمد بن سلمان زعيم قبيلة على الطراز القديم اكثر منه رجلا إصلاحيا انه يريد حكم السعودية على طريقة جده ويجني في نفس الوقت ثمار الحداثة .

ان الحرية والديموقراطية ركاءزا الحكم الرشيد وعافيته السياسية والاجتماعية والعسكرية ،فالدولة الغول ذهب بريقها ولم تعد الجهة الوحيدة التي تحتكر تلقين الأيديولوجيا والتحكم في المعلومة وتسييج الدولة وحراسة الجغرافيا والمياه الإقليمية وممارسة العنف المادي والجبر القسري، اعتقالها لرئيس حكومة لبنان سعد الحريري وحصارها لقطر وتجريعهما الاهانة كانت نتاءجهما وانعكاساتهما السياسية اهون امام قتل رجل واحد يملك قوة الكلمة وقوة الصورة بيد رجل ذو شخصية سامة متهور لا يكثرت للنتائج المدمرة للدولة والاجتماع ولايعي قَوْلَ لاتطعه واسجد واقترب .انه بكل بساطة المقاومة المدنية للعنف وانه ليس بالضرورة ان ننتظر مجيء جيش ليهدم الدولة ويهين ويفسد القرية الضالمة اَهلها .و المسالة ان العنف لايقتل الكلمة وقوتها السيمياءية. وإنما يهدم الدول والحواضر ولا يتصور ان نعيش عالمنا الجميل بدون صحافة ومراقبة ونقذ وتوازن وتناوب على السلطة .

مالم يفهمه ال سعود ان الدولة بمفهومها الحديث قد تغيرت فيزيولوجيتها ولم تعد المكون الصلب والحاد في علاقتها مع موضوعاتها السيادية وأنها أصبحت كيانا رخوا يمكنها ان تتهاوى امام اصحاب الهامات الطويلة والأقلام الجادة والمواقع الاجتماعية والكيانات الاعتبارية الافتراضية. الرئيس الامريكي دونالد ترومب قال انه يواجه أكبر أزمة دولية عرفها منذ توليه مقاليد الحكم وهو في نظرنا بداية التخلص من الثورة المضادة على الربيع الديموقراطي في وطننا العربي ؛ فالمثقف الايطالي غرامشي يقول رغم تشاءم العقل فاني اومن يتفاءل الإرادة.

المفارقة ان هذه المشكلة الدولية تترنح بين ثلاتة قوى دولية لها أهميتها الاستراتجية وخاصة الطرف التركي الذي تفرض عليه التزاماته الاخلاقية ومسؤوليته السياسية والقانونية ان لا يحابي احدا وان يقوم بواجبه بإظهار الحقيقة لشعبه الذي احس بمس كرامته فوق أراضيه رغم شعوره ان هذه الأزمة الحادة في المملكة العربية السعودية ستضعف من مواقفه التفاوضية امام القوى المناكفة له في المنطقة ، الى جانب القوى السياسية الحية في الولايات المتحدة الامريكية والضمير العالمي ، لأن ذاكرتهم حية و ثورة الربيع الديموقراطي كانت في البدء برجل واحد .

المخرجات السياسية والقانونية لمقتل جمال خاشجقي أصبحت قضية مقتل الصحافي ورجل الدولة جمال خاشجقي مشكلة دولية كبرى ،اعتبارا لنتائجها السياسية على النظام السياسي السعودي وتماسك العائلة الملكية ، فالحدث شكل زلزالا سياسيا للمملكة العربية السعودية وأربك ديبلوماسيتها حيث ان كل ما يصدر عنها هو عرضة لعدم المصداقية ولا يليق بدولة ذات سيادة واخلاق سياسية وضمير عالمي لدرجة ان الرئيس الامريكي يصرح ان السعوديون غرروا به كي يسند عضد ولي العهد السعودي ،عودة شقيق ملك المملكة من لندن بضمانات أمريكية وإنجليزية يوحي بما يدبر سياسيا داخل المملكة لإيجاد البدائل الممكنة لهذه المشكلة الدولية التي اثرت بشكل مباشر على مصالح الملكة اقليميا في اليمن ودول الخليج وتركيا ودوليا بدخولها في أزمة ثقة مع المنتظم الدولي.

فلأول مرة يساء بشكل رهيب الى اتفاقية فيينا حول العمل القنصلي الصادرة سنة 1963 ويستدرج مواطن وصحفي مرموق ومعارض ناعم الى قنصلية بلادة ويخنق ويقطع وتخفى جثته وتصدر تصريحات رسمية كاذبة ان لا صلة لهم بما يحدث ،ويُعبث بالقوانين والاعراف الدولية وتوضع دولة المقر في الحرج ويستهزئ بأمنها الداخلي ويحط من كرامتها السيادية فهل كان من الضروري ان تقوم المملكة بهذا العمل الشنيع والبربري داخل مقرقنصليتها بإسطنبول ؟
هل كانت لمن اتخذ القرار وخطط ونفذ أدنى وعي بمالات وانعكاسات هذه الجريمة ؟
هل كانوا في كامل قواهم العقلية والنفسية لاتخاذ هذا القرار الاجرامي مع العلم ان السعودية بلد الحرمين وقبلة المسلمين ومهد الرسالات ؟
هل وضعوا في حساباتهم محل الاعتبار الحساسية الدينية والقيمية والثقافية للمملكة والعالم الاسلامي حين قدومهم على ارتكاب هذه الجريمة ؟
الغرب السياسي بزعامة الولايات المتحدة الامريكية استفاق يوم 2 أكتوبر على وقع اكبر كارثة تهز المنضمات الدولية من طرف حليف استراتيجي وزبون جيد يوفرون له حماية وتغطية أمنية وسياسية ،بكل بساطة في رأيهم انه ولي عهد وصبي عنيف وان على الملكة ان ترتب بيت الحكم الداخلي تفاديا للمعادلات التالية :
-ان الرضع سيجعل من منطقة الخليج والجزيرة العربية منطقة قتل بامتياز ،مما يسرع من التقارب الامريكي الإيراني.
-هناك احتمال بناء محور خليجي مصري أمريكي مناكف للمملكة.
-مضاعفة التكلفة السياسية للحرب في اليمن وإلحاق أضرار بليغة بالمملكة .
-هناك إمكانية للمملكة لاستعمال وتوظيف مكانتها داخل مجلس التعاون الخليجي وتفعيله والإنصات الى العقل
-يمكن الاعتماد على الطرف التركي في تخفيف الضغط على المملكة وبناء تحالف تركي سعودي باكستاني .
-تعلم المملكة كغيرها ان لا مستقبل لدول الخليج الا باندماج سياسي واقتصادي لدول الخليج .
-السيناريو الاسوء إلحاق الكويت بالعراق والإمارات بسلطنة عمان وقطر والبحرين بالسعودية.

الحمقى يتقاتلون

لقد ادرك الغرب ان الحرب لا تجلب الا الويلات والماَسي ،فباكتشاف السلاح النووي واستعماله ضد اليابانيين في الحرب العالمية الثانية بناكازاكي وهيروشيما ماتت الحرب ولم يعد احد قادر على استعماله ،فقد كتب اليابانيون يافظة كبيرة في مكان انفجار القنبلتين ان لايسمحوا ان يتكرر هذا الشر مرة ثانية ،فلماذا تتسابق دولا الخليج وعلى رأسها السعودية على شراء السلاح من الغرب ؟

يمكن طرح مجموعة من الأفكار المؤطرة لهذه الحالة الشاذة :

اولا ان شراء هذا السلاح هو لاستعماله محليا وقمع المعارضة وتصفية الخصوم
ثانيا ان هذه الأسلحة تكدس في مخازن حتى تصداٰ وتباع في سوق الخوردةلان عملية صيانتها مكلف جدا
ثالتا ان من يمد الأطراف المتحاربة بالسلاح هو القادر والمتحكم في مالاتها وهو من يملك مفاتيح وقفها
رابعا ان شراء الأسلحة رشوة للبقاء في السلطة وكفارة ولاء للغرب المتغطرس
خامسا ان الغرب تخلص من ترسانته العسكرية واغلق النادي النووي ويشتغل في مجاله الحضاري على بناء السلم والتكتلات السياسية والاقتصادية
سادسا لقد اقتنع الغرب ان الديموقراطية وحقوق الانسان الضامن الأساسي للسلم والأمن الدوليين
سابعا الغرب يحاول من خلال العمليات المتجددة على خلق البدائل الطاقية والبيئية
ثامنا ان الغرب لا يتنافس على شراء الأسلحة
تاسعا ان اكثر الدول تقدمنا واستقرارا ونموا ليست عسكرية وتم تجريدها من ترسانتها العسكرية كما هو الوضع مع ألمانيا واليابان
عاشرا ان الإنفاق على التسلّح في الغرب ضئيل بالمقارنة بالانفاق في الصناعات المدنية ،اذ نلاحظ ان كل التكنولوجية العسكرية تنتهي باستعمالاتها المدنية.

الغرب المنتج العملاق للسلاح أنهى سباق التسلّح وجعل من الديموقراطية شاٰنا داخليا والسوق عالمية .
فكيف يمكننا ان نبرر جل النزاعات الدولية المتمركزة في منطقتنا العربية و الاسلامية والفوضى الخلاقة حسب التعبير الامريكي ، الحرب في اليمن وسورياوالعراق وليبيا …. ؟ وكيف يمكن شرح ان جل هذه الأنظمة بقاءها مرتبط بشرائها لصفقات السلاح ودفع الرشاوى للغرب ؟ كيف نبني نظامنا الإقليمي بدون بناء الانسان الحر والمتعلم ؟ فما الاسقلال الحقيقي والاكتفاء الذاتي والتكنولوجية والقيم ؟
مونبليي
22/10/2018–

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*