الكل رابح وخاسر واحد من دخان أرامكو

الكل رابح وخاسر واحد من دخان أرامكو

فجر يوم السبت الماضي، أعلنت جماعة “الحوثي” اليمنية، تنفيذ هجمات “بعشر طائرات مسيرة” استهدفت منشآت نفطية تابعة لشركة “أرامكو” جنوب شرقي السعودية.


ونقلت قناة “المسيرة” التابعة للجماعة، عن المتحدث باسم قواتها يحيى سريع، قوله إن سلاح الجو المسير “نفذ أكبر عملية هجومية على العمق السعودي منذ بدء العدوان (عمليات التحالف) على اليمن”.

وأضاف “سريع” أن “عشر طائرات مسيرة استهدفت حقلا ومصفاة الشيبة التابعة لشركة أرامكو شرقي المملكة”.  ولفت إلى أن “حقل ومصفاة الشيبة يضم أكبر مخزون استراتيجي في المملكة، ويتسع لأكثر من مليار برميل”.

وتوعّد المتحدث الحوثي، السعودية والتحالف العربي، “بعمليات أكبر وأوسع إذا استمر العدوان”. وأضاف: “بنك أهداف القوات المسلحة يتسع يوما بعد آخر”، مشددًا أنه “لا خيار أمام قوى العدوان والنظام السعودي إلا وقف الحرب ورفع الحصار عن الشعب اليمني”.

وللتذكير ففي المرحلة الأخيرة كثف الحوثيون مؤخراً هجماتهم بالطائرات المسيرة على مواقع عسكرية ومدنية سعودية، حيث تحدثت الجماعة عن وجود بنك يضم 300 هدفاً داخل الأراضي السعودية. وفي شهر ماي الماضي أعلن الحوثيون شن هجوم مماثل بسبع طائرات مسيرة قالت إنه استهدف شركة “أرامكو”، فيما أعلن وزير الطاقة السعودي خالد الفالح، حينها تعرض محطتي ضخ لخط أنابيب ينقل النفط من حقول المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على الساحل الغربي، لهجوم من طائرات “درون” مفخخة.

تقع المصفاتان المهاجمتان على بعد ألف كيلومتر أو أكثر من المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون في اليمن. ومن أجل ضرب مثل هذا الهدف، يجمع كل الخبراء العسكريين أنه كان لا بد من الاقتراب منه، عن طريق البحر أو البر. وقد ذكرت بعض وسائل الإعلام أن الهجوم ربما يكون قد نفذ من العراق، مفترضة أن هناك في جنوب البلاد وجودا سريا قويا للحرس الثوري الإيراني. إلا أن بغداد نفت نفيا قاطعا علاقة العراق بالهجوم.

أول رد فعل رسمي سعودي ، كان لوزير الطاقة حيث جاء في بيان له، بأنه في تمام الساعة 3:31 و3:42 صباحا، “وقعت عدة انفجارات نتيجة لهجمات إرهابية في معامل شركة أرامكو السعودية في هجرة خريص وبقيق، نتج عنها حرائق تمت السيطرة عليها”.

وأشار إلى أنه نتج عن هذه الهجمات توقف عمليات الإنتاج في معامل بقيق وخريص بشكل مؤقت، وحسب التقديرات الأولية أدت هذه الانفجارات إلى توقف كمية من إمدادات الزيت الخام تقدر بنحو (5.7) مليون برميل، أو حوالي 50% من إنتاج الشركة، إلا أنه سيتم تعويض جزء من الانخفاض لعملائها من خلال المخزونات.

وأوضح الوزير أن هذه الانفجارات أدت أيضا إلى توقف إنتاج كمية من الغاز المصاحب تقدر بنحو ملياري قدم مكعبة في اليوم، تستخدم لإنتاج 700 ألف برميل من سوائل الغاز الطبيعي، مما سيؤدي إلى تخفيض إمدادات غاز الإيثان وسوائل الغاز الطبيعي بنسبة تصل إلى حوالي (50%)

من جهتها اعتبرت شركة “إنرجي أسبكتس” للاستشارات، أن السعودية تتجه لأن تصبح مشتريا كبيرا للمنتجات المكررة بعد هجمات السبت، التي أجبرتها على وقف أكثر من نصف إنتاجها من الخام وبعض إنتاج الغاز.

وأشارت الشركة في مذكرة لها أمس الأحد إلى أن “فقدان الغاز أثر على عمليات المصافي، وربما خفض معدلات الاستهلاك بها بمقدار مليون برميل يوميا، مما يوفر خاما متوسطا وثقيلا للتصدير”.

ومن المرجح أن تشتري شركة النفط الحكومية “أرامكو” السعودية كميات كبيرة من البنزين والديزل وربما زيت الوقود، بينما تخفض صادراتها من غاز البترول المسال، حسب “إنرجي أسبكتس”.

ونقلت “رويترز” اليوم عن مصادر أن عودة “أرامكو” السعودية إلى مستويات الإنتاج الطبيعية “قد تستغرق شهورا”، بينما قالت صحيفة “وول ستريت جورنال”، نقلا عن مصادر، إن الرياض تدرس تأجيل طرح “أرامكو” للاكتتاب العام، وذلك بعد تعرض منشآت نفطية تابعة للشركة السعودية لهجمات السبت الماضي.

صاح يوم الاحد أطلع البيت الأبيض الصحفيين على صور تظهر المواقع التي تعرضت للأضرار جراء الهجوم على منشآتين نفطيتين لشركة “أرامكو” في السعودية يوم السبت.

وأرفقت السلطات الأمريكية الصور بتعليق يفيد بأن 19 موقعا على الأقل للبنية التحتية الحيوية في معملي بقيق وهجرة خريص، ضربت بـ”دقة عالية”، 17 منها في بقيق.

وأضافت أن الهجوم نفذ بوسائل قدمت من إيران عبر أراضي العراق، وليس من اليمن. كما نقل الصحفيون عن مسؤولين أمريكيين قولهم إن الأدلة تشير الآن إلى أن الهجوم شن بواسطة صواريخ كروز وليس بطائرات مسيرة حوثية.

صباح اليوم الاثنين أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أنه من السابق لأوانه الحديث عن أي خطوات ضد إيران بعد استهداف منشآت نفطية سعودية، وأن اتخاذ أي قرار بهذا الشأن سيتطلب دورا سعوديا كبيرا.

وقال ترامب للصحفيين في البيت الأبيض، اليوم الاثنين: “لدينا خيارات كثيرة، لكنني لا أنظر في الخيارات الآن. نحن نريد أن نحدد بشكل مؤكد من قام بذلك، ونحن على اتصال مع السعودية ودول أخرى في المنطقة… ونبحث ذلك معا، وسنرى ماذا سيحدث”.

وتابع: “هناك طرق لنعرف بالضبط من أين جاء (الهجوم)، ولدينا كل الوسائل ونحن ندرس كل شيء حاليا”.

وأكد ترامب أن وزير الخارجية، مايك بومبيو، سيتوجه إلى السعودية “في لحظة معينة لمناقشة ما يشعرون به، وهم سيصدرون بيانا قريبا. وهم يعرفون ما لا يعرفه معظم الناس بشأن من أين جاء (الهجوم) ومن قام بذلك. ونحن سنتمكن من الكشف عن ذلك.. ونحن نعرف كثيرا الآن”.

بيد أن تغريدات الرئيس الأمريكي، وتصريحاته على تعرض مصافي أرامكو السعودية إلى هجوم أوقف نصف إنتاج المملكة من النفط، تثير التساؤلات فيما إذا كان دونالد ترامب، وأجهزته، وإدارته انتظروا تلك الهجمات المدمرة.

الرئيس الأمريكي، أعلن بأريحية أن بلاده مستعدة لفتح خزانات الاحتياطي الاستراتيجي من الذهب الأسود، لتعويض نفوط السعودية. فيما العالم يراقب ارتفاعا متسارعا للأسعار قد يصل إلى معدلات قياسية في حال لم يتم تشغيل المصافي بكامل طاقتها في وقت قريب.

وللتذكير فإن فكرة الخزين الاستراتيجي الأمريكي، انبثقت، حين قطع الملك الراحل فيصل بن عبد العزيز آل سعود، امدادات النفط، عقابا لواشنطن على وقوفها بلا حدود مع اسرائيل وعدواناتها المتلاحقة على الفلسطينيين والعرب.

والحاصل فإن ترامب السمسار، يريد أن يقول للرياض إننا نعيد لكم ما سعيتم لأن يستخدم ضدنا في عقود سابقة، وإن الولايات المتحدة لن تتأثر بمصيبة السعوديين، ولن تخسر جراء غياب نصف الصادرات السعودية النفطية من الأسواق، بل ستربح.

وتصل الفجاجة بترامب، لأن يطالب الجهات السعودية، تحديد الجهة التي انطلقت منها المسيرات أو الصواريخ، وكأن ناسا الأمريكية، كانت زرقاء اليمامة حين رصدت حرائق أرامكو، ونشرت صورا بعد الهجوم، لكنها كانت مغمضة العيون حين انهالت  الصواريخ والمسيّرات على 19 هدفا. 

أما الحوثيون، فإنهم إما أخطأوا الحساب، بالحديث عن عشر مسيرات، ثم عادوا للقول بإنها صواريخ نفاثة، أو أن الهجمات التي أصابت 19 هدفا، لم تنطلق من اليمن. وهي فرضية أطلقها وزير الخارجية الأمريكي جورج بومبيو، وهدد بالويل والثبور لإيران باعتبارها وراء الهجوم.

ويلوح أن “أنصار الله” باتوا، صوتا إعلاميا مدويا، في لعبة إقليمية، متعددة الرؤوس، ومتشعبة الغايات، تشارك فيها حكومات وأحزاب وميليشيات، كل له هدفه.

ستربح الولايات المتحدة من الخسائر السعودية، التي قد تعوضها الرياض بعض الشيء في حال واصلت أسعار النفط بالارتفاع. لتضاف الزيادة على عوائد الخمسة ملايين برميل التي ستواصل أرامكو تصديرها لحين إصلاح الأضرار والعودة إلى معدل العشرة ملايين برميل قبل الهجمات.

وربح رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو من الضربة، لأن احتمال لقاء

(الصدفة) بين ترامب ونظيره الإيراني حسن روحاني، على السلالم المتحركة في المبنى الزجاجي للأمم المتحدة، بات مستبعدا.

 كما قد تستبعد من الأجندة، استعداد فرنسا ماكرون إطلاق 15 مليار دولار إيرانية محتجزة بفعل العقوبات، لأن الرئيس الفرنسي لن يغرد خارج السرب فيما لو نعقت غربان الحرب.

ويقع العراق بين الدول المنتجة للنفط المستفيدة من هجمات أرامكو، من منطلق مصائب قوم عند قوم فوائد. وستدخل الخزينة العراقية مليارات إضافية بسبب ارتفاع سعر برميل النفط.

ولكن ليس معروفا من سيستفيد من الفائض، الدولة العراقية المتعثرة، أم جماعات النفوذ المسلحة التي تشير بعض المصادر، ومنها مسؤول رفيع في الاستخبارات العراقية، وفقا لوسائل الإعلام الأجنبية، إلى إن الصواريخ أو المسيرات انطلقت من أرض عراقية انتقاما من السعودية التي مولت هجمات على مقار للحشد الشعبي في وقت ليس بالبعيد.

أما إيران المتهمة خليجيا وأمريكيا واسرائيليا، على طول الخط، بارتكاب شتى الموبقات، فأنها، تستفيد من الهزة العنيفة للمنظومة الأمنية والدفاعية الهشة للملكة العربية السعودية.

فقد وصلت إلى الرياض رسالة ملتهبة، تقول لا فرار من التفاوض مع إيران، وعلى السعودية، طي صفحة حلف يلوح ترامب بتشكيله ضد ايران في منطقة الخليج لكنه يترك الحليف، يختنق بدخان حرائق النفط، ويهرع لعرض بضاعته، منتشيا بالربح القادم!

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*