شهد مطلع القرن الواحد والعشرون تطورا مذهلا في مجال الاتصال والتواصل نتيجة للتلاقي الذي حصل بين أجهزة الكمبيوتر والبرمجيات وشبكات الاتصال… والأكيد ان هذا الواقع لم يكن وليد الصدفة كما انه لم يحدث دفعة واحدة ، بل مر بعدة عصور تشكلت بعد عدة ثورات عرفها مجال التواصل البشري… نذكر على سبيل التذكير أن البداية كانت حوالي 1500قم مع ثورة الاتصال الاولي والتي تمثلت في “التواصل الشفهي” التي أدت الى عصر “الحروف”… تلتها ثورة ثانية التي تمثلت في “التواصل المكتوب” التي أدت الى عصر “الطباعة” وصولا الى “الصحافة المكتوبة”…. بعد ذلك كان لاكتشاف التلغراف دور هام في ثورة اتصال ثالثة أدت بعد دمج التلغراف مع الموجات السمعية والبصرية الى عصر” الاتصال الجماهيري” مع الراديو والتلفزيون…. وأخيرا اكتشاف الحاسوب وعولمة المعلومات أدى الى ظهور عصر “الانترنيت أو الاتصال الرقمي”.

ومن خلال التطور الهائل للتكنولوجيات الرقمية ، والبث الفضائي … وربط أجهزة وأدوات الاتصال ببعضها البعض، برزت معالم ما يسمى “بالإعلام الجديد ” الذي  اختصر  جميع وسائل الاعلام التقليدية من صحف وإذاعة وتلفزيون… في آداه واحدة ،تمثلت في أشكال جديدة لمنتجات سميت بالمتعددة الوسائط ، والمتعددة التفاعلية … مما سمح للمستخدم باستغلال فضاءات افضل للتعبير والاتصال، وكان في مقدمة هذه الفضاءات الصحف اللكترونية والبلوغات ومواقع التواصل الاجتماعي…

وبالفعل ، فبمجرد انتشار هذه الفضاءات حتى لاحظ المتتبعون نموا غير مسبوق للمشاركة في الحياة العامة ، حيث وفرت وسائل  التواصل هذه،  ميزة جديدة غير مسبوقة على الاطلاق، متمثلة في التفاعل بين الناس للمشاركة بأنفسهم وبمختلف مستوياتهم الثقافية في صنع الخبر والتحكم في سرعة نشره .

كل هذا  جعل الجمهور(عدد المتابعين والقراء) يشكل العمود الفقري للعملية التواصلية قبل السبق الصحفي او الخبر في حد ذاته، ويصبح التفاعل مع المضامين هو هدف وسائل الاعلام العصرية، لما لهذه الوسائل من قدرة على اندماج الجماهير ضمن العملية  الاعلامية والتواصلية ، لأن الفرد وبقدر ما هو متلقيا للخبر بقدر ما هو مشاركا وكاتبا له وشريكا في نشره وتعميمه وشرحه ، بل مدافعا او مترافعا عنه، وفي كثير من الاحيان متصديا له.

لا أحد يجادل أن كل فرد من افراد الجمهور يحمل معتقدات خاصة واتجاهات تشكلت لديه نحو قضايا معينة … وبما ان العملية الاعلامية اصبحت عملية مباشرة بين المؤسسة الناتجة للاعلام والفرد،  فمن الطبيعي ان نرى ردود افعال متباينة ومختلفة من الجمهور ايزاء ما تقدمه هذه الوسائل من معلومات واخبار….

كما ان تزايد هذه المؤسسات (نظرا لسهولة تأسيسها وانشائها) أدى الى تصاعد حدة المنافسة بينها للفوز باكبر عدد من افراد الجمهور.

فى هذا السياق العام سيكون من المهم التوقف عند بعض تجليات حالة الاعلام الجديد عندنا… حيث يمتاز بالفوضى وغياب التنظيم والضبط الذاتى، وضعف التنوع، لذلك فحتى الآن- ورغم الأموال الهائلة التى يستهلكها- يبدو إعلامًا تقليدياً وخارج فضاء عولمة الإعلام، سواء بالنسبة للدمج بين الإعلام والاتصال والمعلومات، أو بالنسبة للعمل على إيجاد إعلام مجتمعى أكثر حرية والتزاماً باهتمامات وتنمية أغلبية المواطنين….

أمامنا اليوم، كأعلاميين، أشواط كبيرة و تحديات وجب علينا جميعا العمل على تخطيها من أجل مجتمع واع بمسؤولياته، مجتمع يتمتع بحرية التعبير، يتداولُ المعلومات والأفكار والمعارف الصحيحة والسلسة.. مُجتمع له حقوق وعليه واجبات. ولأننا نؤمن في، جيل24، أن الاعلام لم يعُد تلك الوسيلة التي تتابع الأخبار وتُنجز التقارير الإخبارية فحسب، بل مع  ظهور الإعلام الجديد، أصبح يُشكل قوة ضغط ويصنع رأيا عاما ويحرك الحكومات والمجالس والهيئات، أصبح أداة في يد المواطن، أداة تساهم في التوعية والتعبئة، أداة قادرة على تشكيل وعي  وتأطير وتوجيه الجماهير.

باختصار.. نحن فى حاجة إلى نوعية جديدة من التفكير والعمل الذى يدمج بين الإعلام والاتصال والمعلومات والتنمية. معتمدين في ذلك على مفاهيم جديدة ومُدخلات وموارد تنسجم مع ثورة تكنولوجيا الاتصال والمعلوماتية السريعة التطور والتغيرالمستمرين، مستفيدين من تجارب ودروس الماضى لتجنب النتائج السلبية ، ومستغلين المعطيات والفرص الاتصالية والتكنولوجية التى تتيحها العولمة لبناء مستقبل أفضل.

من جهة أخرى وجب التنبيه الى أن زلزال العولمة، أدى إلى ظهور حالة من الشك والغموض فى قدرات الدولة على الاعتماد على الذات، والسيطرة على اوضاعها الداخلية، نتيجة لفيض المعلومات العابرة للحدود القومية، والتى تؤثر فى مواطنيها وتدفعهم أحياناً إلى الانبهار بالعولمة مما غير قيمهم وسلوكياتهم التفكيرية والاستهلاكية .

أكثر من ذلك ،  التطور السريع والمتلاحق لتكنولوجيا الاتصال والمعلومات والإعلام، وظاهرة  الاندماج والتكتل بين الشركات العملاقة والشركات متعدية الجنسية، قد قلص من قدراتنا وقدرات دولنا، على تطوير إمكانياتنا الإعلامية والمعلوماتية والاتصالية، وهو ما يخلق مزيدا من الأعباء والتحديات التنموية، بحيث على المستوى الخارجي نجد انه من جهة يعمق الفجوة بيننا وبينهم (هم الشمال ونحن الجنوب)، ومن جهة أخرى يزكي التبعية الإعلامية والاتصالية والمعلوماتية، محولا بذلك مجتمعاتنا إلى مجرد سوق للاستقبال و الاستهلاك فقط. أما على المستوى المحلي لكل دولة ، أدت هذه التحولات إلى توسيع الفجوة بين الطبقات المحلية فيما يتعلق باستخدام وسائل الإعلام التقليدية والجديدة للحصول على المعرفة والقوة.

وعلى الرغم من كل هذه الاكراهات، نرى ان الاعلام المحلي/الوطني يسعى الى ادماج المواطنين في العملية المجتمعية والتنموية… ونحن بدورنا نؤمن أن النماذج الديمقراطية القائمة بنيت على مشاركة المواطنين واندماجهم الفعال في العملية التسييرية، ولذلك فأي فصل بين المواطنين والسلطة والنخب والمؤسسات التمثيلية يعد اجراءا منافيا للصواب، لأننا نرى ان وجود المؤسسات النيابية على المستوى المحلي والوطني ليس كافيا للديمقراطية التي بات يفرضها الاعلام الحديث، ولكي تتحقق المشاركة القصوى –اكبر عدد ممكن افراد الشعب- من يجب ان نخضع باستمرار “لتداريب جماعية على الديمقراطية” ليس في مجالات متعددة فحسب بل في كل المجالات، حتى يتسنى لكل فرد منا تطوير الاتجاهات والاختيارات والمناهج والخلاصات لتحديد الصفات السيكولوجية الضرورية المطلوبة…. وهي عملية يلعب فيها الاعلام دور حجر الزاوية، مما يجعلنا امام محك تحديد دورنا ومفاهيمنا لاعلامنا الرقمي وممارساته:

فهل اعلامنا بقدر ما هو نتيجة لتطور هائل، سمي “بالثورة التكنولوجية”، فهو قادر على عرض  بدائل إعلامية ثورية لبناء المرحلة القادمة، مدركين غير غافلين ان ولوج التكنلوجيا عالم الاعلام جاء كنتيجة حتمية للتطور الإنساني، وأن الاعتراف للتكنلوجيا بأن تشكل رمزا للعصر الذي نعيشه فرضته قوتها الذاتية، الكامنة فيها، حيث مكنت البشرية من تجاوز اخفاقات متعددة في عدة مجالات… فهل باستطاعتنا استغلال هذه القوة الكامنة لاحداث تغيير في الواقع الاجتماعي، عن طريق توجيهها نحو صناعة “اتصال المعرفة  والديمقراطية الشاملين”.

أم أن اعلامنا بقدر ما هو نتيجة هذه الثورة التكنلوجية الهائلة، فهو قادر فقط على إعطاء مخرجات مختلفة عن تلك التي كان يقدمها  الاعلام التقليدي السائد آنفا… معتبرين أن دخول التكنلوجيا عالم الاعلام هو فرصة للهيمنة والسيطرة والامتداد، بل واقتحام الحياة الشخصية وتفكيك العلاقات الاجتماعية، عن طريق توجيهها نحو صناعة “اتصال الانكشاف والفضح الشامل”.

تجدر الإشارة في الأخير، ما يزيد في تعقيد الوضية والاختيار هي ثلاثة أمور هامة تتميز بهما مجتمعاتنا :

-الامر الأول هو كون التقني /التقنيات عندنا لا تتمتع بالدينامية الكافية،

-الامر الثاني : أن البنى الاجتماعية ليست منتهية بما يكفي، بل يمكننا ان نسجل انه وعلى الرغم من وجود حركية اجتماعية متواصلة لكنها لم تفض بعد الى صقل بنى او قوى اجتماعية وسياسية متباينة،

-الامر الثالث : لحد الآن لم نستطع الحصول على دراسة واحدة قادرة على الجزم بوجود ذلك الخط الفاصل بين التقني والاجتماعي، فجل التقنية المستعملة في مجتمعاتنا هي في خدمة الاستعمال الاجتماعي التواصلي تحديدا – التقنية لا تتطور عندنا- …. بل لا احد يستطيع تحديد كيفية ولوج مواطنينا لعالم التقنيات الحديثة…. وقد نضيف –خارج مقاييس البحث العلمي– أن هذا المواطن غير قادر حتى على تمثل او تشخيص ما هو تقني لتحديد حاجته اليه، كما انه يرى ان التقني والاجتماعي شيء واحد ولا يستطيع الفصل بين ما هو تقني خالص وبين ما هو اجتماعي تواصلي .

ختاما، ورقتنا هذه لا تدعي طرح جميع الأسئلة والتساؤلات الممكنة ، ولا هي تقدم إجابات محددة ومضبوطة، بل ما سعينا اليه هو محاولة تأطير التوجه العام الذي سنتحرك داخله، مع الاخذ بعين الاعتبار كل المتغيرات الممكنة التي قد تأتي بها ممارستنا العملية او ينتجها مستقبل محيطنا.

تحياتي

عبد العالي الجابري – المدير العام

وجدة، يناير 2019